قراءة تأملية في كتاب “النهوض الروحي العاطفي“ للدكتور هانيبال يوسف حرب
ليس أصعب على الإنسان من أن يجد نفسه غريباً عن ذاته، بعد تجربة عاطفية هزّت أعماقه، أو خيبة أطفأت شيئاً من يقينه، أو فقدٍ ترك في قلبه فراغاً لم يألفه من قبل.
فالألم العاطفي لا يقتصر على الحزن الذي نشعر به، بل قد يمتد إلى نظرتنا لأنفسنا، وثقتنا بالآخرين، وقدرتنا على استقبال الحياة بالمحبة والطمأنينة.
ومع ذلك، فإن الإنسان لا يُختزل في انكساره، ولا تنتهي إمكاناته عند حدود ما فقده.
ففي داخله قدرة على استعادة توازنه وإعادة بناء عالمه الوجداني، وهذه القدرة هي ما يُعرف بالنهوض العاطفي.
أولاً: ما النهوض العاطفي؟
يُقدّم كتاب “النهوض الروحي العاطفي“ مفهوم النهوض العاطفي بوصفه قدرة الإنسان على استعادة قوته وتوازنه بعد المرور بتجارب وجدانية صعبة، كالفقد والخذلان والفشل والأزمات النفسية.
غير أن النهوض، وفق رؤية الكتاب، يتجاوز مجرد تجاوز الألم؛ فهو عملية نضج داخلي، يتعلم خلالها الإنسان فهم مشاعره، واكتشاف احتياجاته، وإعادة النظر في علاقته بنفسه وبالآخرين.
وهنا يظهر الفرق بين التعافي والنهوض.
فالتعافي يسعى إلى تخفيف آثار الجرح واستعادة الاستقرار، أما النهوض فيضيف إلى ذلك إمكانية اكتساب وعي جديد، يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع التجارب المقبلة.
فليس المقصود أن يعود الإنسان كما كان تماماً، بل أن يستعيد حياته وقد أصبح أكثر فهماً لذاته.
ثانياً: لماذا يحتاج الإنسان إلى النهوض العاطفي؟
لأن التجارب المؤلمة قد تُحدث اضطراباً لا يقتصر على المشاعر العابرة، بل يؤثر في الثقة بالنفس واتخاذ القرارات وطبيعة العلاقات الإنسانية.
قد يتعرض الإنسان للخذلان فيفقد ثقته بالآخرين، أو يعيش تجربة فاشلة فيبدأ بالتشكيك في قيمته، أو يتألم من فقد عزيز فيشعر بأن الحياة فقدت شيئاً من معناها.
وهنا تبرز أهمية النهوض العاطفي؛ فهو يساعد الإنسان على الفصل بين قيمته الذاتية وبين ما تعرّض له من أحداث.
فالفشل في علاقة لا يعني الفشل في الحياة، والخذلان لا يعني انعدام الاستحقاق، والحزن لا يعني غياب القوة.
إن الوعي بهذه الفروق هو من البدايات الأساسية لاستعادة الاتزان الداخلي.
ثالثاً: ما أبرز مظاهر النهوض العاطفي؟
من المظاهر التي يناقشها الكتاب المرونة العاطفية؛ وهي قدرة الإنسان على التعامل مع مشاعره الصعبة دون إنكارها أو السماح لها بالسيطرة الدائمة على حياته.
فالمرن عاطفياً ليس شخصاً لا يحزن، وإنما شخص يتعلم كيف يحزن دون أن يفقد قدرته على الاستمرار.
ويظهر النهوض كذلك في التعلم من التجارب، حين يتوقف الإنسان عن الاكتفاء باستعادة تفاصيل ما حدث، ويبدأ باستخلاص الدروس التي تساعده على فهم اختياراته وحدوده واحتياجاته.
أما استعادة الثقة بالنفس، فتُعد من أبرز علاماته؛ إذ يعود الإنسان إلى تقدير ذاته دون أن يجعل قبول الآخرين أو رفضهم المقياس الوحيد لقيمته.
ويأتي التفاؤل بعد الأزمات ليعكس قدرة القلب على استقبال احتمالات جديدة للحياة، دون إنكار صعوبة ما مضى.
وهناك أيضاً مظهر بالغ الأهمية، هو النمو العاطفي؛ أي أن يصبح الإنسان أقدر على فهم مشاعره والتعبير عنها، وأكثر توازناً في بناء علاقاته.
رابعاً : النهوض يبدأ بالمصالحة لا بالمقاومة
من الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن القوة العاطفية تعني كبت المشاعر أو التظاهر بعدم التأثر.
لكن النهوض الناضج يبدأ بالاعتراف الصادق بالألم، ثم التعامل معه برفق ومسؤولية.
فلا جدوى من مطالبة القلب بالنسيان القسري، ولا من جلد النفس لأنها لم تتعافَ بالسرعة المطلوبة.
إن الرحمة بالذات، والصبر، والتعبير الواعي عن المشاعر، وطلب المساندة عند الحاجة، كلها وسائل تساعد الإنسان على بناء علاقة أكثر صحة مع نفسه.
الخاتمة: النهوض ليس نسياناً بل ولادة للوعي
إن النهوض العاطفي لا يعني محو الماضي، ولا تحويل الإنسان إلى كائن لا يتألم، وإنما يعني ألا يبقى الماضي صاحب السلطة المطلقة على حاضره ومستقبله.
وهذه إحدى الرسائل المحورية التي يقدمها كتاب “النهوض الروحي العاطفي“: أن التجربة المؤلمة، وإن لم نختر حدوثها، يمكن أن تصبح مناسبة لفهم الذات واستعادة القوة الداخلية.
فالنهوض الحقيقي ليس أن يصبح القلب عاجزاً عن الانكسار، بل أن يتعلم صاحبه كيف يحفظ إنسانيته وقدرته على الحب، حتى بعد أشد التجارب ألماً.